محمد بن جرير الطبري

156

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دعا للحرم : وارزق أهله من الثمرات نقل الله الطائف من فلسطين . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يقول : ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استشهاد خليله إبراهيم إياه على ما نوى وقصد بدعائه وقيله رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ الآية ، وأنه إنما قصد بذلك رضا الله عنه في محبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله ، وإخلاص العبادة له على مثل الذي هو له ، فقال : ربنا إنك تعلم ما تخفي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك ، وفي غير ذلك من أحوالنا ، وما نعلن من دعائنا ، فنجهر به وغير ذلك من أعمالنا ، وما يخفى عليك يا ربنا من شيء يكون في الأرض ولا في السماء ؛ لأن ذلك كله ظاهر لك متجل باد ، لأنك مدبره وخالقه ، فكيف يخفى عليك . القول في تأويل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ يقول : الحمد لله الذي رزقني على كبر من السن ولدا إسماعيل وإسحاق . إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ يقول : إن ربي لسميع دعائي الذي أدعوه به ، وقولي : اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وغير ذلك من دعائي ودعاء غيري ، وجميع ما نطق به ناطق لا يخفى عليه منه شيء . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن ضرار بن مرة ، قال : سمعت شيخا يحدث سعيد بن جبير ، قال : بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومئة سنة . القول في تأويل قوله تعالى : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ يقول : رب اجعلني مؤديا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها علي من الصلاة . وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يقول : واجعل أيضا من ذريتي مقيمي الصلاة لك . رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ يقول : ربنا وتقبل عملي الذي أعمله لك وعبادتي إياك . وهذا نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ وهذا دعاء من إبراهيم صلوات الله عليه لوالديه بالمغفرة ، واستغفار منه لهما . وقد أخبر الله عز ذكره أنه لم يكن اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ وقد بينا وقت تبرئه منه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته . وقوله : وَلِلْمُؤْمِنِينَ يقول : وللمؤمنين بك ممن تبعني على الدين الذي أنا عليه ، فأطاعك في أمرك ونهيك . وقوله : يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ يعني : يقوم الناس للحساب ؛ فاكتفى بذكر الحساب من ذكر الناس ، إذ كان مفهوما معناه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يا محمد غافِلًا ساهيا عَمَّا يَعْمَلُ هؤلاء المشركون من قومك ، بل هو عالم بهم وبأعمالهم محصيها عليهم ، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أنه يجزيهم فيه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا علي بن ثابت ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران في قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قال : هي وعيد للظالم وتعزية للمظلوم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ يقول تعالى ذكره : إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك ، ليوم تشخص فيه الأبصار . يقول : إنما يؤخر عقابهم وإنزال العذاب بهم ، إلى يوم تشخص فيه أبصار الخلق ؛ وذلك يوم القيامة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ شخصت فيه والله أبصارهم ، فلا ترتد إليهم . وأما قوله : مُهْطِعِينَ فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه ؛ فقال بعضهم : معناه : مسرعين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد المؤدب ، عن